ابن حمدون
114
التذكرة الحمدونية
عليها صحفته ثم مال إلى جانب من الغار فاحتمل أضغاثا من يبيس فألقاها لحماره ، ثم استخرج معضدا من تحت وساده ، وخرج إلى فم الغار فخطرف [ 1 ] ما استطفّ [ 2 ] له من الشجر والسّلم فألقاه لناقتي ، وجلس يحادثني ويفاكهني ويناشدني الأشعار المؤسيّة ، ويصف لي صروف الأيّام وتقلَّبها بالرجال ، فكأنه كان في نفسي أو قد بطن أمري ، فلما ظنّ أنّ خبزته قد آنت استخرجها ، ثم فعل كفعله أوّل الليل ، فلما صددت أتى على باقي الخبزة ، ثم قام فخرج من الغار ، ثم رجع فقال : قد تقطَّع أقران الحفل [ 3 ] وطحرت الريح الجفل [ 4 ] ، ووضح الحزن من السّهل فقم فارحل ، ثم قذف رحالته على حماره ، وقمت فارتحلت ، وخرج وخرجت [ 5 ] أتبعه حتى دلكت الشمس أو كربت [ 6 ] ثم أشرفنا على واد عظيم شجير ، وإذا نعم ما ظننت أنّ الأرض تحمل مثله ، فهبط الوادي وتصايحت الرّعاء وأقبلوا [ 7 ] إليه من كل أوب حتى حفّوا به ، وسار في بطن الوادي حتى انتهى إلى قباب متطابنة [ 8 ] ، فمال إلى أعظمها فنزل ، وتباعد الأعبد فحطَّوا رحلي وقادوا مطيتي وألقوا إلي مثالا ، وقال : نم ليتسبخ لغوبك [ 9 ] فنمت آمنا مطمئنا حتى تروّيت ، ثم هببت وإذا عبد موكَّل بيه ، فقال لي : انهض إن أردت المذهب [ 10 ] ، فقمت وقام معي بإداوة حتى أولجني خمرا وأدبر عني ، فلما أحسّ بفراغي أقبل فحمل الإداوة وردّني إلى مثالي ،